الآلوسي

120

تفسير الآلوسي

الجملة الاستفهامية على أنها في موضع المفعول الثاني - لأرأيتم - المتضمنة معنى أخبروني المتعدية إلى مفعولين والغالب في الثاني أن يكون جملة استفهامية ، وجواب الشرط ما يدل عليه الجملة السابقة مع متعلقها ، والتقدير - إن كنت على بينة من ربي فأخبروني هل يسع لي - الخ فافهم ولا تغفل * ( وَمَا اريْدُ ) * بنهي إياكم عما أنهاكم عنه من البخس والتطفيف * ( أَنْ أُخَالفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ) * أي أقصده بعد ما وليتم عنه فأستبد به دونكم كما هو شأن بعض الناس في المنع عن بعض الأمور يقال : خالفني فلأن إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه ، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده . قال في البحر : والظاهر على ما ذكروه أن * ( أن أخالفكم ) * في موضع المفعول به - لأريد - أي وما أريد مخلفتكم ، ويكون خالف بمعنى خلف نحو جاوز وجاز ، ويكون المعنى وما أريد أن أكون خلفاً منكم ، و * ( إلى ) * متعلقة بأخالف أو بمحذوف أي مائلاً إلى ما أنهاكم عنه ، وقيل : في الكلام فعل محذوف معطوف على المذكور أي وأميل إلى الخ ، ويجوز أن يبقى أخالف على ظاهره من املخالفة ، ويكون * ( أن ) * وما بعدها في موضع المفعول به - لأريد - ويقدر مائلاً إلى كما تقدم ، أو يكون * ( أن ) * وما بعدها في موضع المفعول له ، و * ( إلى ما ) * متعلقاً - بأريد - أي وما أقصد لأجل مخالفتكم إلى ما أنهاكم عنه ، وقال الزجاج في معنى ذلك : أي ما أقد بخلافكم إلى ارتكاب ما أنهاكم عنه * ( إنْ أريدُ ) * أي ما أريد بما أقول لكم * ( إلاَّ الإصْلاَح ) * أي إلا أن أصلحكم بالنصيحة والموعظة * ( مَا اسْتَطَعْتُ ) * أي مدة استطاعتي ذلك وتمكني منه لا آلو فيه جهداً - فما - مصدرية ظرفية . وجوز فيها أن تكون موصولة بدلاً من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته أو * ( إلا الإصلاح ) * إصلاح ما استطعت ، وهي إما بدل بعض أو كل لأن المتبادر من الإصلاح ما يقدر عليه ، وقيل : بدل اشتمال ، وعليه وعلى الأول يقدر ضمير أي منه لأنه في مثل ذلك لا بد منه ؛ وجوز أيضاً أن تكون مفعولاً به للمصدر المذكور كقوله : ضعيف النكاية أعداءه * يخال الفرار يراخي الأجل أي ما أريد إلا أن أصلح ما استذعت إصلاحه من فاسدكم ، والأبلغ الأظهر ما قدمناه لأن في احتمال البدلية إضماراً وفوات المبالغة ؛ وفي الاحتمال الأخير إعمال المصدر المعروف في المفعول به ، وفيه - مع أنه لا يجوز عند الكوفيين . ويقل عند البصريين - فواتها ، وزيادة إضمار مفعول * ( استطعت ) * * ( وَمَا تَوْفيقي ) * أي ما كوني موفقاً لتحقيق ما أتوخاه من إصلاحكم * ( إلاَّ باللَّه ) * أي بتأييده سبحانه ومعونته . واختار بعضهم أن يكون المراد - وما توفيقي لإصابة الحق والصواب في كل ما آتي وأذر إلا بهدايته تعالى ومعونته - والظاهر أن المراد وما كل فرد من أفراد توفيقي لما صرحوا به من أن المصدر المضاف من صيغ العموم ، ويؤول إلى هذا ما قيل : إن المعنى ما جنس توفيقي لأن انحصار الجنس يقتضي انحصار أفراده لكن على الأول بطريق المفهوم . وعلى الثاني بطريق المنطوق ، وتقدير المضاف بعد الباء مما التزمه كثير ، وفيه على ما قيل : دفع الاستشكال بأن فاعل التوفيق هو الله تعالى ، وأهل العربية يستقبحون نسبة الفعل إلى الفاعل بالباء لأنها تدخل على الآلة فلا يحسن ضربي بزيد ، وإنما يقال : من زيد ، فالاستعمال الفصيح بناءاً على هذا - وما توفيقي إلا من عند الله -